سعاد الحكيم
37
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
IV - نهج الجيلي في الكتابة والتأويل تحفّظ المسلمون في استخدام لفظ « تأويل » ، لأن هذا اللفظ ورد في القرآن الكريم ، في سياق تفسير كلام اللّه ومعرفة قصده سبحانه في خطابه ، على التحديد ، وهذا ممتنع . وفي المقابل لم يتحفظ الجيلي في استعماله للفظ « تأويل » ، ولكنه أطلقه على تلقي الكلام الإنساني وإرساله لا على الكلام الإلهي . وقدّم لنا - في كتابه غنية أرباب السماع - نظرية في التأويل ، تضاهي وتفوق في كثير من الجوانب ، ما يعتبره فلاسفة اللغة من مستجدات العصر ! وتتمحور نظريته اللغوية حول قطبين هما : اللفظ والمعنى [ الدال والمدلول ] . وعلى ضرورة ألا يقتصر المتلّقي على ظاهر الألفاظ بل يعبر منها إلى بواطن معانيها . يقول في « غنية أرباب السماع » منبها على وجوه الاستماع - أي وجوه التلقي والفهم - للنص الواحد : « فإني لما رأيت قصور الفهوم من أطوار المعاني ، ووقوف العلوم من عوام أرباب السماع على ظاهر ألفاظ الأغاني ، أردت أن أفتح بابا لأهل السماع ، إلى حسن الاستماع ، وأكشف نقابا لأهل الأغاني ، عن مخدّرات المعاني ، المحجوبة عن أعين العامة ، بصور ألفاظ المعاني ، فاستخرت اللّه تعالى . . . في وضع كتاب . . . حتى أذن لي في وضع هذا الكتاب ، المسمّى : غنية أرباب السماع ، في كشف القناع ، عن وجوه الاستماع » « 1 » . ويمكننا اختصار نظريته في أربع فقرات هي الآتية : أولا - رتبة المتّلقي وفهم المعنى إن اللفظ الواحد - عند الجيلي - يحرّك في الأفهام معان متعددة ، بقدر تعدد السامعين [ أو القراء ] لهذا اللفظ . والسبب في تعدّد المعاني والإفهام للفظ الواحد ، هو أن كل سامع للفظ يفهمه بحسب حاله ومقامه . فالمعنى يتحدد عند المتلّقي لا عند المرسل . المرسل يقول اللفظ ، والسامع يضع المعنى .
--> ( 1 ) الجيلي ، غنية أرباب السماع ، ق ق : 75 ظ - 76 و ( نقلا عن غنيمي ص 378 ) .